اسماعيل بن محمد القونوي
122
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها ) فيه إشارة إلى رد من قال إن المراد منه المس الحسي لقوله عليه السّلام : « كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعه حين يولد أما عدم مس مريم وابنها فلاستجابة دعاء حنة في حقهما حين قالت وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ آل عمران : 36 ] » ولم يرض به فقال ومعناه أي المس مجاز عن الطمع في الإغواء إذ المس مستلزم للطمع والقرينة عليه أنه لو سلط الشيطان على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخا ومال إليه الأكثرون وحمل البعض على الحقيقة وجرح قولهم لامتلأت الدنيا صراخا بأنه وهم فاسد وعلى تقدير كون المراد الإغواء وطمعه يكون المعنى واللّه أعلم إلا مريم وابنها ومن في معناهما كما نقل عن القاضي عياض يعني ترك العطف لظهوره ولثبوته بالنص « 1 » وأما إذا أريد المعنى الحقيقي فإن كان ذلك من خصائصهما فلا يلزم أن يوجد في نبينا عليه السّلام إذ كم من مفضول موصوف بخاصة لا توجد في الفاضل منه وإلا فيوجد في نبينا عليه السّلام بدلالة النص « 2 » لأنه عليه السّلام أفضل وأعلى فكونه موصوفا به أولى وأحرى . قوله : ( فإن اللّه تعالى عصمهما ) أي عن المس ( ببركة هذه الاستعاذة ) وهذا يدل على الاستعاذة قبل الوضع وذهب البعض إلى أنه بعد الوضع لكن إن أريد به طمع الإغواء قوله بحيث يتأثر إشارة إلى العلاقة والظاهر أن تأثير المولود روحاني لا حسي . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 37 ] فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 37 ) قوله : ( فرضي بها في النذر مكان الذكر ) فسر القبول للنذر بالرضى إشارة إلى تشبيه النذر بالهدية ورضوان اللّه تعالى بالقبول إذ النذر التزام العبد والهدية تبرع منه وصيغة الرب هنا أوقع من سائر الأوصاف . الرضى قوله بوجه حسن تقبل به النذائر جمع نذيرة بمعنى منذورة قوله وهو إقامتها أي والوجه الحسن هو إقامة الأنثى مقام الذكور إكراما ولطفا ولم تقبل قبلها أنثى في ذلك فسر القبول الحسن على وجوه الوجه الأول أن يكون اسما لما يقبل به كالسعوط بالفتح لما يسعط به وهو الدواء يصب في الأنف لا مصدرا إذا لو كان مصدرا لم يكن للباء معنى بل كان الطاهر حينئذ أن يقال فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ [ آل عمران : 37 ] ولو جعل الباء زائدة كما في كَفى بِاللَّهِ [ الرعد : 43 ] لم يحتج إلى تأويل .
--> ( 1 ) وهو قوله تعالى : لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ . ( 2 ) وإلا أي وإن لم يكن من خصائصها فلا بد من تخصيص وقيد كأن يقال ما من مولود سوى الأنبياء أو سوى النبي عليه السّلام ويؤيده خروج المتكلم من عموم كلامه كما روى الجلال في البهجة النسبة عن مكرمة .